سرطان الحياة
كانت إمرأة قوية في العقد الثالث من العمر ، أم لبنتين و ولد ، أم مناضلة تسعى جاهدة لتربية أبنائها على حب الله و تجتهد لزرع قيم الخير و العطاء في قلوبهم منذ الصغر و أذكر جيدا حبها الكثير للحياة و شخصيتها المرحة حيث كانت تحدثني دوما عن مغامراتها مع أبنائها و كانت تستعرض جمع من النكت المضحكة لإضحاك من حولها في كل مناسبة عائلية. لم تشكو يوما الألم او المرض، كانت إمرأة كثيرة العطاء و صبورة و متفائلة حتى أنني اذكر أنها في المدة الأخيرة كانت تخيط الملابس إستعدادا لحضور حفل زفاف أخيها و كانت تخبرني عن لهفتها لذلك اليوم السعيد .عاشت الظلم و التسلط من أهل زوجها لكنها رغم كثرة مشاكلها كانت تستقبلنا بإبتسامة عريضة ما إن تلمحنا، حقا لقد كانت تشع حياة و فجأة و دون سابق إنذار هاجمها المرض الخبيث و يا حسرتي عليها ما إن سمعنا الخبر نزل علينا كالصاعقة كيف لا و هي التي لم تشكو يوما ألم الرأس حتى ، تنقلت بين المدن باحثة عن دواء لهذا الداء اللعين و كانت رغم بلوغها مرحلة خطيرة من المرض إلا أنها بقيت متماسكة قوية كعادتها ، أذكر أنني حين ذهبت لزيارتها أخر مرة كانت مليئة أمل و حب و تشبث بالحياة لأنها لم تكن تدري ما أصابها من مرض فقد قيل لها أنه مجرد مرض عابر ألم خفيف و سيمر لكنه لم يمر بسهولة لقد أطفأ شمعتها باكرا و سرق منها أمومتها و حبها للحياة و أطفأ النور الي بداخلها ، لقد جعلها هزيلة القوام ضعيفة النظر لا تقوى على المشي كثيرا بل أنهاأصبحت مجرد هيكل عظمي يكسوه جلدا مصفرا شاحبا.
دمر المرض الخبيث عائلتها و ترك أطفالها بلا حضن و بلا حنان و ساد الظلام منزلها ، رحلت السند و خلفت خلفها لوعة في قلوبنا و حسرة لا مثيل لها ، نعم لقد رحلت بلا ميعاد رحلت و أخذت معها فرحة الحياة لكنها تركت لنا شيئا منها فلذات كبدها و هم اليوم يجاهدون للعيش بكرامة رغم قسوة الأيام.
زينب لحمر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق