الرحيل. بقلم أيمن حسن محمد
نظر الطبيب طويلًا إلى الصور التي أمامه، ثم أعاد النظر إليها مرة أخرى. هزّ رأسه، وتنهد، قبل أن يرفع عينيه إلى وجه أمي.
كان في عينيها شيء غريب؛ شيء يشبه رحمة الإنسان حين تعجز الكلمات عن قول ما يشعر به.
ناولها ورقة الدخول إلى المستشفى وقال مبتسمًا:
— الحمد لله على سلامتك خالتي، إن شاء الله تكون خفيفة.
نظرت أمي إلى الورقة، ثم إليه.
— يعني لازم أدخل المستشفى؟ ما بيكفي الدواء؟
أجابها بأن حالتها تحتاج إلى مراقبة، وأن عليها أن تبقى في المستشفى.
ابتسمت أمي ابتسامة هادئة، كأنها فهمت من كلامه أكثر مما قال.
خرجنا.
وفي الطريق قالت:
— إلهي، خذ أمانتك، ولا تجعلني أحتاج إلى أحد، لا قريب ولا غريب.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
كانت الجملة نفسها التي سمعتها منها عشرات المرات، لكنها في تلك اللحظة بدت مختلفة، كأن الزمن وضع نهايته داخل كلماتها.
دخلت أمي المستشفى.
ثلاثة أيام مرت بطيئة. كانت تتنفس بصعوبة، ويعلقون لها المحاليل، ويضعون لها جهاز البخار.
وفي اليوم الثالث جاءت أختي الكبرى.
جلست إلى جانب أمي، وأخذت تمسح شعرها بيدها بحنان.
في تلك اللحظة شعرت أن شيئًا انقلب في هذا العالم؛ الأم التي كانت تمسح على رؤوسنا ونحن صغار، أصبحت ابنتها تمسح على رأسها.
البنت صارت أمًّا.
بعد ثلاثة أيام تحسنت أمي قليلًا. عادت ابتسامتها، وعاد صوتها وحضورها، حتى ظننا أنها بدأت تتعافى.
لكن سعالها لم يفارقها.
طلبت من الطبيب أن يسمح لها بالعودة إلى البيت.
ابتسم وقال:
— إذا قدرتِ تمشي في ممر المستشفى ذهابًا وإيابًا، أكتب لك ورقة الخروج.
جمعت أمي ما بقي لديها من قوة، وبدأت تمشي.
خطوة... ثم أخرى.
كانت تخفي تعبها وسعالها، وكأنها في سباق لا تريد أن تخسره.
وصلت إلى آخر الممر، ثم عادت.
ابتسمت للطبيب وقالت:
— انظر... لقد مشيت!
كتب لها ورقة الخروج.
جلست أمي، لكن أنفاسها ازدادت ثقلًا، وعاد السعال أقوى.
قالت أختي:
— أنتِ لم تتحسني يا أمي، ابقي هنا.
نظرت إليها أمي وقالت:
— يا بنتي، أريد أن أموت حيث الذكريات... ذكريات طفولتكم، وذكريات أبيكم. أنا أعشق ذلك البيت، وأعشق ذكرياته.
أمسكت أختي دمعتها.
عدنا إلى البيت.
كانت أمي تضحك في الطريق، وكأنها انتصرت في معركة طويلة.
وحين دخلت، أخذت تنظر إلى البيت وتقول لأختي:
— عندنا شغل كثير. ثلاثة أيام ما نظفنا، وسيأتي الضيوف. يجب أن يكون البيت نظيفًا.
بدأت أختي الكبرى والصغرى بتنظيف البيت.
كانت أختي الصغرى أكثرنا تعلقًا بأمي. كانت تحمل في عينيها حزنًا صامتًا، كأنها تعرف شيئًا لا نعرفه.
جاء الضيوف، وجلسوا، ثم غادروا.
وبقي أفراد العائلة يتحدثون عن أيام الطفولة، عن أبي، وعن أشياء صغيرة كنا نظنها عابرة، فإذا بها الآن أثمن ما نملك.
كنا نتحدث عن الماضي، وكأننا نودع أنفسنا دون أن ندري.
في صباح اليوم التالي، رن هاتفي.
كانت زوجة أخي التي بقيت مع أمي.
قالت:
— أمك تريد أن تراك.
لم أفكر.
ارتبكت، بحثت عن حذائي وثيابي، وخرجت مسرعًا.
حين وصلت إلى البيت، كان البكاء قد سبقني.
دخلت غرفة أمي.
كانت عيناها مغمضتين، وعلى وجهها ابتسامة هادئة.
كان وجهها أبيض كالقمر.
اقتربت منها.
ناديتها.
لم تجب.
لم يتحرك شيء فيها.
ركعت إلى جانبها، وبكيت.
تجمع أهل القرية.
دخلت خالتي، وحين رأتها أخذت تبكي وتقول:
— أختاه... ردي عليّ. قومي، سنشرب القهوة كالمعتاد.
كانت كل كلمة منها تزيد البكاء.
جاء الشيخ، وجلس إلى جانبها، وقرأ سورة يس بصوت حزين هادئ.
كان صوته يمنح المكان شيئًا من السكينة.
ثم قال:
— رحمها الله... هيا، اغسلوها ولنصلِّ عليها.
خرجت إلى المطبخ.
غسلت وجهي، وكانت أمامي صحن الزعتر والزيتون وقشور البيض.
توقفت.
في لحظة واحدة شعرت أنني عدت أربعين عامًا إلى الوراء.
عدت طفلًا.
سمعت حركة في الخارج.
جاءوا بالتابوت.
خرجت خالتي وهي تبكي، وما إن رأته حتى سقطت مغشيًا عليها.
احتضنتني أختي الكبرى، بينما لم تعد أختي الصغرى قادرة على الوقوف.
كان الرحيل هذه المرة... إلى الأبد.
وضعوها في الحفرة.
كانت رائحة الغار والعطر تفوح من كفنها.
اللهم صلِّ على سيدنا محمد.
كانت تلك الرائحة تصعد من التراب، فشعرت، للحظة، وكأنهم لا يدفنون أمي، بل يزرعون شجرة سنديان.
شجرة ستكبر، وستحكي قصة أمٍّ لا يطويها الزمان.
وما زالت رائحة القهوة عالقة في المكان، وما زال طعم الزعتر والزيتون والبيض يعيدني إلى طفولتي...
بل يعيدني إليها.
إلى أمي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق