آخر المنشورات

الاثنين، 21 سبتمبر 2026

وضعتك تحت جبّتي..لكن مخلب الموت كان أسرع..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 وضعتك تحت جبّتي..لكن مخلب الموت كان أسرع..!

تصدير:

"بكى طائر العمر في قفصي..مذ رأى مخلب الموت

ينزل في مهجة الروح.. ويَكُفّ الغناء.." ( مظفر النواب-بتصرف طفيف)


-بعض الغياب لا تكتبه الكلمات،بل تكتبه الدموع حين تعجز الكلمات..( الكاتب)


وضعتك تحت جبّتي،كما يضع الأب مهجة قلبه في أحن موضع،مخافة عليك من طيور السماء،ومن عيون الزمن وتقلباته.

 كنت أظن أن جبّتي،بكل ما تختزنه من دفء الجنوب وذاكرته وحنانه،يمكن أن تكون لك حصنا من نوائب الدهر.!

لكنني لم أكن أعلم أن للموت مخلبا لا ترده الأبواب،ولا تحجبه الأذرع،ولا تنفع أمامه كل تعاويذ الحب.

تسلل إليك مخلب الموت ذات زمن عاصف،كان مفروشا بالرحيل،وخطفك مني في غفلة من القلب والعمر..

ومنذ ذلك اليوم،لم تعد جبّتي كما كانت..صار لها ثقل الغياب،وصار كل ما يلامسها يوقظ في داخلي صورة ابن غاب جسده وبقيت روحه معلقة في تفاصيل حياتي.

يا غسان،يا مهجة الروح،كنت أظن أنني أستطيع أن أحميك من العالم،ولم أكن أعرف أن هناك قدرا لا يستطيع الأب أن يقف في وجهه،مهما أوتي من حب،ومهما شد على ابنه بذراعيه.

رحلت،وبقيت أنا أرتق ثقوب الغياب بذاكرة لا تشفى،وأجمع من أيامك ما يكفيني لأكمل ما تبقى من الطريق.

لم يعد الفقد عندي كلمة،بل صار وطنا أقيم فيه كل يوم،وأحمل مفتاحه في قلبي.!

وأقسى ما في رحيلك يا غسان،أنني لم أجد بعد كل هذه السنوات طريقة واحدة لأقنع قلبي بأنك رحلت..ما زلت،كلما أغمضت عيني،أراك قادما نحوي،فأتهيأ لاحتضانك كما كنت أفعل،ثم يصفعني الغياب بحقيقته القاسية: أنك لن تعود..!

 أفتش عنك في الوجوه،في الطرقات،في الأشياء الصغيرة التي تركت فيها أثرا منك،وأعود في كل مرة محملا بخيبة جديدة..ووجع بتجدد..

لقد علمني غيابك أن بعض الجروح لا تلتئم،وإنما نتعلم فقط كيف نخفي نزيفها عن الآخرين.وما أصعب أن يشيخ الأب،ويبقى في داخله طفل صغير ينتظر عودة ابنه من الغياب..!

وفي النهاية..يا بني،أخذ الموت جسدك،لكنه لم يأخذك مني تماما.ستظل تحت جبّتي،في ذاكرتي، وفي دعائي،وفي أعمق موضع من قلبي..وكأن الأبوة وعد أبدي،لا يستطيع الموت أن يفسخه..!


محمد المحسن 


-تنويه: 

صيغ هذا المقال على الساعة الرابعة وجعا..قبيل انبلاج الفجر بقليل..



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق